الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

185

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

واستعراضهم لقوتهم : فلا يغررك تقلبهم في البلاد . إنها أيام تنقضي بين الكر والفر ، ثم تنتهي هذه الضجة لتزول معها هذه المجموعة وتمحى تماما ، كما تزول الفقاعات من على سطح الماء ، أو كما يتلاشى الرماد عند هبوب العواصف ! " يجادل " مشتقة من " جدل " وهي في الأصل تعني لف الحبل وإحكامه ، ثم عم استخدامها في الأبنية والحديد وما شابه ، ولهذا فإن كلمة ( مجادلة ) تطلق على عمل الاشخاص المتقابلين ويريد كل شخص أن يلقي حجته ويثبت كلامه ويغلب خصمه . ولكن ينبغي الانتباه إلى أن كلمة ( المجادلة ) لا تعتبر مذمومة دائما في اللغة العربية ، بل تعتبر إيجابية ومطلوبة إذا كانت المجادلة في طريق الحق وتستند على المنطق ، وتهدف إلى تبيين الحقائق وإرشاد الأشخاص الجهلة . . . أما إذا كانت على أسس واهية من التعصب والجهل والغرور ، وتستهدف خداع هذا وذاك ، فتكون عند ذلك مذمومة . القرآن الكريم استخدم كلمة ( المجادلة ) في كلا مورديها ، إذ نقرأ في الآية ( 125 ) من سورة النحل قوله تعالى : وجادلهم بالتي هي أحسن . إلا أنه في موارد أخرى - كما في الآية أعلاه وفيما بعدها - وردت ( المجادلة ) لغرض الذم ، وهناك بحث حول الجدال والمجادلة سنتعرض له فيما بعد إن شاء الله . " تقلب " مشتقة من " قلب " وتعني التغيير ، و " تقلب " هنا بمعنى التصرف في المناطق والبلاد المختلفة للسيطرة والتسلط عليها ، وتعني الذهاب والإياب فيها أيضا . إن هدف الآية تحذير للرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمؤمنين به - في بداية البعثة - من الذين كانوا من الطبقة المستضعفة المحرومة ، بأن لا يركنوا إلى الإمكانات المالية